الشوكة التي قتلتني

الشوكة التي قتلتني

كان يوم جميل ذلك اليوم، الشمس تشرق بهدوء وسكينة على القاهرة، أنا وأميرة خرجنا للتنزه في شوارع المدينة كالمعتاد. كنا نتسكع هنا وهناك، ننظر للتحف والأزياء والناس، ونضحك ونتسامر. كانت حياتي تسير بسلاسة، لا هموم ولا مشاكل، كنت أشعر بالسعادة.

في إحدى المرات، صدمنا بأشخاص آخرين وحدث بيننا جدل وخناق، لم أكن أدري ما السبب الحقيقي، ربما كان منا أم منهم. ولكن الأمر انتهى بأننا جميعًا نتشاجر في الشارع. كان الآخرون أقوى وأكبر منا في الحجم، فلم يكن بمقدورنا مواجهتهم. وفي لحظة من اللحظات، وقعت على الأرض، وشعرت بوخزة حادة في جانبي. نظرت إلى أسفل فرأيت الشوكة التي طعنتني وأنا على الأرض.

قد يعجبك ايضا
قصص قصيرةالحب والانتقام

الحب والانتقام

حكايتنا بتحكي عن راجل اعمال غني اسمه عادل بيمتلك شركة كبيرة وشغله واخد كل وقته. كان عادل في بداية حياته...

لم أكن أدري ماذا يحدث، شعرت بألم شديد وأنا أحاول إخراج الشوكة من جسدي، لكن كان الأمر مؤلمًا للغاية. أميرة كانت في حالة هستيرية، تبكي وتصرخ طالبة المساعدة. كان الآخرون قد انصرفوا ولم يبق إلا نحن الاثنان.

سقطت على الأرض وأنا أشعر بالدوار والغثيان، كانت الدماء تنزف بغزارة، لم أعد أشعر بأي شيء سوى الألم الذي ينتشر في جسدي. أميرة حاولت مساعدتي لكن كان من الصعب عليها. كنت أشعر أن نهايتي قد قربت.

لا أعلم كم من الوقت مر، ربما دقائق أو ساعات، لكن في النهاية أتى الإسعاف وحملوني إلى المستشفى. كان الجرح عميقًا وخطيرًا، لم يكن هناك الكثير من الأمل. ظللت أفقد الوعي وأستعيده، رأيت أميرة تبكي بحرقة بجواري وأنا لا أستطيع فعل شيء.

في النهاية، أدركت أنني لن أنجو من هذه الجروح، كانت الشوكة قد أصابت أعضاء حيوية في جسدي. شعرت بحزن شديد، ليس لأجل نفسي فقط، ولكن على أميرة وعلى كل من سيفتقدني. لم أكن أريد الرحيل، كان هناك الكثير مما أردت فعله في هذه الحياة.

قبل أن أرحل إلى الأبد، نظرت إلى أميرة وابتسمت لها ابتسامة حزينة. أخبرتها أنني سأفتقدها كثيرًا وأن أتمنى لها حياة سعيدة. بكت أميرة بحرقة وهي تحتضنني في آخر لحظات حياتي. شعرت بألم شديد في قلبي لرؤية حزنها وتعاستها.

ثم أغمضت عيني وأنا أشعر بالسلام والراحة. لم أعد أشعر بالألم أو المعاناة. كانت الشوكة التي طعنتني هي التي قتلتني في النهاية. لا أدري ما الذي سيحدث بعد ذلك، ولكن أتمنى أن أرى أميرة مرة أخرى في يوم ما.

بعد رحيلي، كانت أميرة مكسورة القلب. لم تستطع التعافي من الصدمة والألم التي  أصابتها. كانت تبكي بحرقة وتحاول أن تتقبل فكرة أنني لن أعود إليها مرة أخرى.

لقد كنت أهم شخص في حياتها، نحن كنا أقرب إلى أخوين منذ الطفولة. كانت تشعر بالوحدة والفراغ الكبير في قلبها بعد رحيلي. لم تكن قادرة على التكيف مع غيابي.

لجأت إلى عائلتها وأصدقائها للحصول على الدعم والمساندة، لكن لم يكن ذلك كافيًا. كانت تشعر بأنها فقدت جزءًا مهمًا من نفسها. كانت تفكر في كل اللحظات التي قضيناها معًا وكل الأشياء التي لم تكملها معي.

مرت الأيام والأشهر وأميرة لا تزال تعاني من الحزن الشديد. كانت تذهب إلى مقبرتي بانتظام، تجلس هناك وتحكي لي عما يجري في حياتها. كانت تشعر أنني أستمع إليها وأفهمها.

ذات مرة، وأثناء زيارتها لي، قررت أن تخبرني عن قرارها. قالت إنها ستسافر إلى الخارج للدراسة، وأنها ستبتعد عن هذه البيئة التي تذكرها بي باستمرار. كانت تأمل أن يساعدها ذلك على التخفيف من حزنها وألمها.

لم أكن سعيدًا بهذا القرار، كنت أود البقاء بجوارها لأواسيها وأشاركها حياتها. لكن في الوقت نفسه، فهمت أنها تحتاج إلى هذا الابتعاد للتعافي. لذا أكدت لها أنني أؤيد قرارها في المنام وأتمنى لها كل التوفيق.

قبل سفرها، زارتني مرة أخيرة. وضعت يديها على مقبرتي  وقالت إنها ستفتقدني كثيرًا. أخبرتها أنني سأكون دائمًا بجانبها، وأنني سأراقبها من هناك. ودعتني بحرقة وسافرت إلى وجهتها الجديدة.

بعد رحيلها، شعرت براحة نفسية. كنت أعلم أنها ستكون بخير وأنها ستنجح في حياتها. هذا ما كنت أتمناه لها دائمًا. رغم حزني على فراقها، إلا أنني كنت سعيدًا لأنها ستبدأ حياة جديدة بعيدًا عن ذكرياتنا المؤلمة.

أتمنى أن تكون أميرة قد وجدت السعادة والراحة التي تستحقها. ربما سألتقي بها مرة أخرى في يوم ما. لكن في هذه اللحظة، أنا أشعر بالسلام والارتياح، وأعلم أنني سأظل أراقبها وأحرس خطاها من هنا واجيلها في المنام دومًا.

لقد مر الوقت بسرعة كبيرة منذ رحيلي. أميرة كانت قد انتقلت إلى دولة جديدة للدراسة، وبدأت رحلتها في البناء من جديد.

في البداية كان الأمر صعبًا عليها، فهي لم تعتد على الحياة بمفردها بعيدًا عن بيئتها المألوفة. لكن مع مرور الوقت، بدأت تتكيف مع الوضع الجديد وتستمتع بحياتها.

كانت تتفوق في دراستها وتكوّن صداقات جديدة. شعرت أنها تنمو وتتطور كشخص له أهمية في المجتمع. لم تعد الفتاة الضعيفة المنكسرة التي كنتُ أعرفها. بدأت تنطلق وتتحرر من ذكرياتها الماضية.

أشرقت في حياتها الشمس من جديد، وبدأت تشعر بالسعادة والرضا عما تحقق. لم تعد تبكي على رحيلي باستمرار، بل باتت تتذكرني بحنان وبابتسامة.

كانت تزور قبري من حين لآخر عند نزولها القاهرة، لكن ليس بانتظام مثلما كانت من قبل. صارت تلك الزيارات مصدر راحة وسلام لها، بدلاً من أن تكون مصدر ألم وحزن.

وذات مرة، حدثتني عن شخص جديد دخل حياتها، كان ذلك الشخص يعتني بها ويحبها بصدق. أدركت أنها وجدت السعادة التي طالما تمنيتها لها.

شعرت بالفرح والارتياح لرؤيتها تنعم بالسعادة مرة أخرى. كانت قد تجاوزت ألمها وخسارتها، وتمكنت من بناء  حياة جديدة مرة أخرى. لم يعد هناك شيء يؤرقها أو يقلقها.

في إحدى الزيارات، قالت لي إنها قررت أن تبدأ مشروعًا جديدًا في حياتها. كانت تخطط للاستقرار والزواج من ذلك الشخص الذي يحبها. شعرت بالفخر والسرور لهذا الخبر.

أنا أعلم أن هذا ما كنت أتمناه لها دائمًا. أن تجد السعادة والاستقرار، وأن تحيا حياة مليئة بالمحبة والنجاح. هذا ما كان يستحقه قلبها الطيب الذي عانى الكثير.

أنا الآن في سلام وراحة، وأعلم أن أميرة ستكون بخير. وستواصل رحلتها في الحياة بكل قوة وإصرار، وسأظل أراقبها من هنا وأتمنى لها التوفيق والسعادة الدائمة.

admin
admin